المعرض البصري الثاني (مدونات2) لـ هيلد اسـمـاعل (دعوة عامـة)ا
كتبهاحازم بنجر ، في 26 فبراير 2008 الساعة: 08:18 ص

أكان لازما أن أشي بالعالم؟!
كتابة: هيلدا إسماعيل
يحدث أنيتأتئ ضوء صغير، أن تُمدِّد الأرصفة أجسادها و تشخص نحو السماء، أن يبتسم الخبز،يخبو، ينعطف، ينطفئ، ويلثغ بالسؤال. ويحدث أن تحبس أحلامك، تتحول إلى عتبة، أن تصطكالمنازل ويصبح الشارع أكثر دفئا. دومًا ثمة قلب عالق بجسد حينما نطارد الحببأعيننا، نقلِّب الأفق بزرقته، نتحسس أفواه الأصدقاء، أو نقف ندا بندٍ أمام المرآة. ورغم ذلك لم أشأ إضاءة مايريد الناس أن يروه، أكان لازمًا أن أشي بالعالم بحثًا عنمكان صالح للحب؟! يبدو أنه لم يكن هيّنًا التعبير عن ذلك بلغة أخرى غير الضوء. هناكعلى أعتاب الطبيعة لن تروقنا إلا الأشياء النموذجية، الوجه الباسم، الدائرةالمكتملة، الجسد المصقول والنهايات السعيدة، أما في معرضي البصري (مدوّنات) فالصورةالتي حاولتها ليست نموذجية ولا اختراعًا، بل شيء يشبه الوشاية بالعالم، شيء اتخذنمطا انفعاليًا قاصرا، شابه الوجه المهمل، تفانى في تسكُّعه، اتكاله، ومحاكاتهبالرصيف، بالشارع، وبالأجساد المنكَّسة. لكن كيف يمكن للناقص أن يكتمل؟! هذا هو طعمالسؤال!! والإجابة.. ليتها تشير بلا انقطاع لمذاق العدسة، الظل، الأبعاد، الكتلة،الحبكة، و الفنون بصفة عامة.
أظنني إزاء موضوعٍ تطاولتُ فيه على الواقع، ثبّتُّأرصفته بالعدسة، رسمتُ (المدونين) بالضوء وأقحمتُ يدي في كل طيَّاته لدرجة قد تجعلمن هذه الأعمال البصرية انتقالا من عالم القضاء و القدر إلى عالم الشعور و الوعيكما أرادها الأديب الفرنسي أندريه مارلو Andre> Marlaux ، إنمّا منذ متى كانتالفنون انتصارا على القدر؟!.
لا أنكر أنني أحببت ما قمتُ به دون إرادة أوتخطيط، ليس لأنني اعتبرت ذلكَ سبيلا وحيدًا للقضاء على الأنانية أو التملّص منها،وليس لأن طابع الحب الرحمة، ولا لأنني تعاملتُ مع كائنات مرصوفة، معتكرة، مُطرقة،وتعبة، بل لأننا لا نحب الآخرين إلا بقدر ما نراهم يتوجعون. وبقدر أوجاعهم نقبلعليهم، نتجاوب معهم، نعتني بهم، ونتبنّاهم.
قد تكون معظم التقاطاتي بطيئة، أو (بطانة تافهة) لا طائل تحتها كما أسماها عالم الجمال الفرنسي شارل لالو Charles Lalo لكنها ليست نتوءاتٍ خارجة عن الوجه الجمالي، و لم تكن مجرد إلهام مفاجئ، كانتشيئا أشبه بالوله وأعراضه المبهمة، كنت في مرات أغرمُ بضعفاء وعاجزين، وفي مراتأخرى أقع بين راحاتٍ مدَّعية وخادعة، لا سبيل إلا أن أضحي ببعض قيم العالم حتى أحصلعلى لذة و متعة كان من المفترض أن يبثها الضوء في داخلي، بينما كل ماشعرتُ به حتىالآن هو حاجتي إلى من يقاسمني الهواء، ويشعرني بأن هناك حياة أخرى يمكن أن نعيشهابألم أقل.
مدوَّنات لاشخصية
تورَّطتُ حقا وسعيت لتجريدهم ألقابهم الشائعةمن مشردين إلى مدونين، ولا أدري إن كنتُ أخطأت، أو راهنت على القيمة، و إجبارالآخرين من خلال الضوء على رؤية مايخشونه، ومجاورة عالم شرس بمشرديه.
في أروقةالانترنت، تعتبر الـ «BLOg» أو «المدوَّنة» غرفة، منزلاً، أو حياة افتراضية ينشئهاالمدوِّن ليعبر فيها عن ذاته بحرية كالحلم، هي فكرة تتقاطع مع رغبة الإنسان الدائمةفي إيجاد مأوى آخر غير الأرض، يمتلك فيه مساحة مكانية صغيرة يتعايش معها، تلكالرغبة ذاتها هي التي عبّرتْ عنها كائناتي الضوئية حين انتزعت ذاتها من دائرةمعاناة ولجأت إلى دائرة الشارع، أنشأت مأوىً زائفا من كرتون، أوراق، شجر، جرائد،بقايا عربة أو لحاف ممزق، ومهما اختلفت أشكال الدوائر ستظل منحنية ومغلقة وغيرقادرة على الاستقامة وحدها. وستظل هذه الكائنات تصارع ضد الشعور بما يحمله الكون منعدم اكتراث بالإنسان أو من تهديد له، أقصد صراعا ضد الأرض من جهة… وضد الموت منجهة أوهى.
عند أول لقطة شاهدتُ فيها شخصًا يتكئ على نظرات المارّة، تبادر ليأنه أغرق الباب وراءه ورحل كاملا، غاب داخل جسده، بدا أكثر ثقلا، مفاجأة، وعُرضةًللتوغل في أشخاص عدة لايشبهونه. خطواتي في البحث عنه في اليوم التالي كانت مشحونةبالعاطفة، بالعلة والمعلول، بالوقائع بوصفها كائنات شبه حيّة، بالتطبع الاجتماعي،بالظاهرة، بالألم، بالتأقلم ضمن مناخ اختاره المدونون، تماما كوجوه متعبة، مخذولة،وحادة. حتى الضوء الذي كان مشروعا لبورتريه ناجح فقد في النهاية قاموسه الجماليورغبته في التناقض. عندما أصادفُ شقاء كهذا أظن أنه الأصل في استحقاق الشفقة، بينماقد يكون مجرد شعور بأن الآخر الذي أضأتُه هو موجود بشري، له وجه يتمرغ بألواني،بحمرة الخجل، صفرة الشحوب، وأيضا زرقة البرد والموت.
إنهم يمتلكون قيمة مماثلةلتلك التي نملكها، قيمة تختلف ربما في شكل المأوى، اللذة، والإحساس بالحياة، لكنهافقدت قيمتها حينما ألقت بذاتها إلى الخارج أو حين أُلقيَت في أحيانٍ كثيرة إلى عالم «لاشخصي»، قد يملكه بانحناءة، ويفقده بالذعر.
هكذا أصبح الرصيف بالنسبة إليهممدوّنة، واقعا اختاروه بديلا عن واقع كان قد اختارهم. وفي هذه المساحة الضيقةلمايسمّى مجازا «منزل» أُِصرُّ على المونوكروم Monochrome وحدة اللون التي من شأنهاالصمود مقابل التلاشي شيئا… فشيئا كذاكرة بلا حنين.
فتنة الشارع
كلماأعدتُ النظر في الطبيعة بتذوق بصري جديد يزداد إصراري على التعامل مع اللون من منطققوته الإيحائية، بتظليل جزء صغير فقط بينما تصبح السيادة للوجه الرمادي لحياةٍتصدمنا بنداءاتٍ محايدة تحيلنا إلى مجرد ركام من بياض الحقائق وسواد الإدعاءات. أعتقد أنني جرّبت أن أعبّر عن رماديّتي بطريقة مخيّبة في الدِّقة وممتلئة بالفضاءالناقص. اعتمدت على دمعتي بعد أن كنت أفرك الرصيف يوميا بحثا عن جسد مكوّم، جدارمأهول، راحة ممتدة، شامة على جبهة الشارع، أو بالأصح، كائنات لم أذرفهم بعد.
هذه الكائنات تبلغ وجعها أثناء الصراعات الخفية، التقاطعات اللونية، العتمة،التكوين العام، مافيا التسوّل حين تنتقم من المدوِّنين الجدد، تدافع عن أحقيةالمكان لمدوِّن دون آخر، تعلّّقهم على طرف المساءلة، كثيرًا ما تتكدس الأحذية عندرؤوس نائمة، أكواب مشرعة للمارة، لنقود معدنية قد لا تجيء، وجوه ترتفع، تحتار، تتخذاتكاءة، أصواتا، أشكالا، كمشاهد كاملة لرؤى مسرحية أو تجميد للصورة عند الحلقةماقبل الأخيرة. نعم كان وقتا منخفضًا جدا، و لم يكن يسيرًا أن أعبُره دون أن أتخلّىعن رأسي، أنحني، وأتضاءل .
قد أجد في هذه التجربة ما أعبر به عن انفعالاتيالخاصة بالقدر الذي لا أحرص فيه على إثارة انفعالات الآخرين، وإن كنتُ أشعر بالأسفأحيانا لأنني كنتُ مؤمنةً جدا بأن مهمة الفن تنحصر في خلق خيال يجيء مخالفا لوجوههذا العالم الذي نحيا فيه، لقد تغافلتُ كثيرًا عن الدور الواقعي الذي لم أره لولااستسلامي مؤخرا لفتنة الشارع، ذلك المهيمن على مساحة يملؤها جوهر الموضوع وشوائبغير مكترثة به، ربما لأن المكان يسبق اللقطة، المشهد، الكائن والنموذج، أو ربما لأنحكاية تنطلق منه عبر زاوية الكاميرا وأبعادها. أحقًا بمقدور هذه الآلة الضوئيةتعرية الأفكار و الوصول بها إلى أحلامها الأولى؟! أم أن المكان حين يستعين بلغةأخرى غير الضوء يفقد ملامحه؟! لابد أن المسألة بالنسبة لي لم تكن قضية مهارة أوخبرة تقنية، كانت ذريعة، تعريةللغة التشرّد ونصبها بالضوء، تأسيس تناقضات الظاهرةوليس تفكيكها، أسلوبًا لنقص تقني يتماشى ويتصالح مع سلوك التعثّر بكائن يفترشالرصيف، ويلتحف السحاب.
«كل إنسان يحمل في داخله غرفة» كافكا
لا أعرف إنكان هؤلاء الأشخاص يسكنون الرصيف أو هو الذي يسكنهم، ولا أدري إن كانوا على علم بأنالفضاء واللامأوى الذي لجأوا إليه إنما هو منزل افتراضي بلاسقف، أو «مدوّنة» فيثنايا فضاء واقعي، أَسقط عنها المأوى، وأعاد الإنسان إلى بدائيته، إلى شارع يحيابنبضه، يصادق ناسه، وينفضح بعرائه، حاجته، ذبوله، إدمانه، تشرده، غجريته، ضياعه،وانحناءاتٍ يتقصَّد بها نقودًا تعينه على وجبة عشاء أو جرعة مشروب بارد، كل ماأعرفه الآن هو ما دلَّني عليه الشاعر اللبناني بول شاوول بأن الذين لايعرفونالأرصفة لايعرفون الحياة، لايجيدون فن المشي، النظر، الإصغاء، التنفس، الصمت، ولايتقنون فن أن تمضي كل يوم في الطريق ذاته وتكتشف من قوة التكرار وكأنك تمضي في مكانجديد. لم أفهم هذا الدليل حين كنت مصابة بعدم الأرصفة، بالتخفي الحاد، بفوبياالآخرين وحمل الكاميرا. وكنت على وشك التراجع حتى رافقت نفسي أثناء سفر طويل، نفضتُعني الغبار تحسستُ الشارع بألوانه، سواليفه، مناخاته، التجديد، الترميم، الحفر،والتواطؤ الصامت مع الهواء، جلبة الزمامير الحافلات، الباعة، والإشاراتالعمياء.
هذا التوتر الدرامي ليس إلا انعكاسًا لحركة الإنسان داخل ذاته، و تكوينعلاقة مباشرة مع الكائن المراد إضاءته، مصادقته، تأطيره داخل بؤر مكانية، عفوية،وصادقة بانتظار لحظة الضوء التي تحدثُ انسجاما نوعيا بين الوعي بالأفكار، والمنهجالإنساني الغائم نسبيا بسبب اقتحام الآخر وابتزازه ماديا أحيانا. و في كثير منالأحيان تستمر هذه العلاقات لأنها محكومة بمصائر آنية تحرضني على القفز إلىمدوناتهم، التنقيب عنها، إضاءتها، وتقسيمها إلى قصاصات كائن.
نكاية بي
شيءما يراوغ المساحة و الظل في نفسي، كمن يقفز إلى جسده من جديد بعد أن سالت من جبهتهالأماكن، أو كمن يفوح من ذاته ويتساقط باستمرار منها. لا يعني ذلك أنني شاركتالمدونين الألم، المسرات أو الخداع، الحقيقة أنني لم أتقمصهم، إنما حافظت كثيرا علىالمسافة التي فصلتني عن ذواتهم حتى لا أصاب بعدوى التشرد كما يحدث في الضحك والحزنوالكآبة حين تتسلل إلينا لمجرد أننا نعاشر أشخاصا يمارسون ذلك للحظات، فنتساءلمابالنا أصبحنا هم، وكيف صرنا نشبههم!!
كم مرة تناهبني الخوف من المتاجرةبالآلام، الصوت غير المسموع، الألم الباطن، وكم مرة حذفت ملفات الصور وتطهَّرت منذنب الضوء، لست واثقة من ضميري لأنه كان فضوليا، حائرًا، متشابكًا، واخزا، متوجعالأقصاه. و نكاية بي كم مرة فكّرت الانزواء وراء نظرة جزئية إلى العالم، الاندراجتحت أكبر قدر ممكن من الاختباء، لم أكن أريد لشيء أن يشير إليّ، أردتُ أن أحكي عنتكوينات بصرية من حيث المظهر، الكتلة، اللون، الإضاءة، والحركة، أما على المستوىالمجازي فأردتُ أن أتخلّى عنِّي على نحو مرضٍ، أبتعد، وأنظر إليَّ من ركن بعيد. هذاالتصادم الذي يحصل بين الرغبة، السبب، الأسئلة، الخوف والدافع.. هو مايؤسس لتجربةذاتية حتى وإن كانت ساذجة لكنها تمتلك افتراضاتها الجديدة وتستهدف فهم العالم .
أذكر هذه اللحظة كيف كنت أجمع لوحاتي الصغيرة حين ساورني إحساس غريب تجاهالكائنات، لم يعد الإنسان لدي هو سيد المخلوقات، ومنذ ذلك الوقت لم يفارقني شعورالأخوة و الرفقة والأصدقاء الذي بدأت أتعامل به مع شتى المخلوقات الأخرى، امتزجتُبالطبيعة والتصقت بالأرض بعد أن كنت أحلم بالتحليق خارجها،كنت أصطاد الوجوهالمطحونة بسنارة الخوف، أجمع الألم بالضوء وأتوهم لهم حياة حد الموت.
أعلم أننيتبنيتُ قضايا خاسرة لاجنس فيها لا دين ولا حتى سياسة، كل ماكان يعنيني اقتفاء أثرالبرد، التشرد، القهر، التسول، الجوع الملقى على الأرصفة، المتشبث بتلابيب الحواري،محطات المترو، مواقف السيارات، مدارج الأسى وأزقة الزيف المقنَّع، أو الصدق الصارخ،لهذا لم أجد أكثر صدقا من الفيلسوف الفرنسي غاستون بشلار حين أكّد على أن الأشياءاللامنتهية لاتجد لها أسماء إلا لدى القلب العاشق. وأظنني خربشت كثيرًا بهذا القلب،لطَّخت، راكمت، ولم أشأ أن أتوسل النتائج، الحكم، النسبة والتعادل. لم أبحث عنالشاعرية بكل ثغراتها، ولا أي طابعٍ منطقي، لأن ما رأيته ببساطة…كأي نهاية أخرىلا منطق له.
أظنني إزاء موضوعٍ تطاولتُ فيه على الواقع، ثبّتُّأرصفته بالعدسة، رسمتُ (المدونين) بالضوء وأقحمتُ يدي في كل طيَّاته لدرجة قد تجعلمن هذه الأعمال البصرية انتقالا من عالم القضاء و القدر إلى عالم الشعور و الوعيكما أرادها الأديب الفرنسي أندريه مارلو Andre> Marlaux ، إنمّا منذ متى كانتالفنون انتصارا على القدر؟!.
لا أنكر أنني أحببت ما قمتُ به دون إرادة أوتخطيط، ليس لأنني اعتبرت ذلكَ سبيلا وحيدًا للقضاء على الأنانية أو التملّص منها،وليس لأن طابع الحب الرحمة، ولا لأنني تعاملتُ مع كائنات مرصوفة، معتكرة، مُطرقة،وتعبة، بل لأننا لا نحب الآخرين إلا بقدر ما نراهم يتوجعون. وبقدر أوجاعهم نقبلعليهم، نتجاوب معهم، نعتني بهم، ونتبنّاهم.
قد تكون معظم التقاطاتي بطيئة، أو (بطانة تافهة) لا طائل تحتها كما أسماها عالم الجمال الفرنسي شارل لالو Charles Lalo لكنها ليست نتوءاتٍ خارجة عن الوجه الجمالي، و لم تكن مجرد إلهام مفاجئ، كانتشيئا أشبه بالوله وأعراضه المبهمة، كنت في مرات أغرمُ بضعفاء وعاجزين، وفي مراتأخرى أقع بين راحاتٍ مدَّعية وخادعة، لا سبيل إلا أن أضحي ببعض قيم العالم حتى أحصلعلى لذة و متعة كان من المفترض أن يبثها الضوء في داخلي، بينما كل ماشعرتُ به حتىالآن هو حاجتي إلى من يقاسمني الهواء، ويشعرني بأن هناك حياة أخرى يمكن أن نعيشهابألم أقل.
مدوَّنات لاشخصية
تورَّطتُ حقا وسعيت لتجريدهم ألقابهم الشائعةمن مشردين إلى مدونين، ولا أدري إن كنتُ أخطأت، أو راهنت على القيمة، و إجبارالآخرين من خلال الضوء على رؤية مايخشونه، ومجاورة عالم شرس بمشرديه.
في أروقةالانترنت، تعتبر الـ «BLOg» أو «المدوَّنة» غرفة، منزلاً، أو حياة افتراضية ينشئهاالمدوِّن ليعبر فيها عن ذاته بحرية كالحلم، هي فكرة تتقاطع مع رغبة الإنسان الدائمةفي إيجاد مأوى آخر غير الأرض، يمتلك فيه مساحة مكانية صغيرة يتعايش معها، تلكالرغبة ذاتها هي التي عبّرتْ عنها كائناتي الضوئية حين انتزعت ذاتها من دائرةمعاناة ولجأت إلى دائرة الشارع، أنشأت مأوىً زائفا من كرتون، أوراق، شجر، جرائد،بقايا عربة أو لحاف ممزق، ومهما اختلفت أشكال الدوائر ستظل منحنية ومغلقة وغيرقادرة على الاستقامة وحدها. وستظل هذه الكائنات تصارع ضد الشعور بما يحمله الكون منعدم اكتراث بالإنسان أو من تهديد له، أقصد صراعا ضد الأرض من جهة… وضد الموت منجهة أوهى.
عند أول لقطة شاهدتُ فيها شخصًا يتكئ على نظرات المارّة، تبادر ليأنه أغرق الباب وراءه ورحل كاملا، غاب داخل جسده، بدا أكثر ثقلا، مفاجأة، وعُرضةًللتوغل في أشخاص عدة لايشبهونه. خطواتي في البحث عنه في اليوم التالي كانت مشحونةبالعاطفة، بالعلة والمعلول، بالوقائع بوصفها كائنات شبه حيّة، بالتطبع الاجتماعي،بالظاهرة، بالألم، بالتأقلم ضمن مناخ اختاره المدونون، تماما كوجوه متعبة، مخذولة،وحادة. حتى الضوء الذي كان مشروعا لبورتريه ناجح فقد في النهاية قاموسه الجماليورغبته في التناقض. عندما أصادفُ شقاء كهذا أظن أنه الأصل في استحقاق الشفقة، بينماقد يكون مجرد شعور بأن الآخر الذي أضأتُه هو موجود بشري، له وجه يتمرغ بألواني،بحمرة الخجل، صفرة الشحوب، وأيضا زرقة البرد والموت.
إنهم يمتلكون قيمة مماثلةلتلك التي نملكها، قيمة تختلف ربما في شكل المأوى، اللذة، والإحساس بالحياة، لكنهافقدت قيمتها حينما ألقت بذاتها إلى الخارج أو حين أُلقيَت في أحيانٍ كثيرة إلى عالم «لاشخصي»، قد يملكه بانحناءة، ويفقده بالذعر.
هكذا أصبح الرصيف بالنسبة إليهممدوّنة، واقعا اختاروه بديلا عن واقع كان قد اختارهم. وفي هذه المساحة الضيقةلمايسمّى مجازا «منزل» أُِصرُّ على المونوكروم Monochrome وحدة اللون التي من شأنهاالصمود مقابل التلاشي شيئا… فشيئا كذاكرة بلا حنين.
فتنة الشارع
كلماأعدتُ النظر في الطبيعة بتذوق بصري جديد يزداد إصراري على التعامل مع اللون من منطققوته الإيحائية، بتظليل جزء صغير فقط بينما تصبح السيادة للوجه الرمادي لحياةٍتصدمنا بنداءاتٍ محايدة تحيلنا إلى مجرد ركام من بياض الحقائق وسواد الإدعاءات. أعتقد أنني جرّبت أن أعبّر عن رماديّتي بطريقة مخيّبة في الدِّقة وممتلئة بالفضاءالناقص. اعتمدت على دمعتي بعد أن كنت أفرك الرصيف يوميا بحثا عن جسد مكوّم، جدارمأهول، راحة ممتدة، شامة على جبهة الشارع، أو بالأصح، كائنات لم أذرفهم بعد.
هذه الكائنات تبلغ وجعها أثناء الصراعات الخفية، التقاطعات اللونية، العتمة،التكوين العام، مافيا التسوّل حين تنتقم من المدوِّنين الجدد، تدافع عن أحقيةالمكان لمدوِّن دون آخر، تعلّّقهم على طرف المساءلة، كثيرًا ما تتكدس الأحذية عندرؤوس نائمة، أكواب مشرعة للمارة، لنقود معدنية قد لا تجيء، وجوه ترتفع، تحتار، تتخذاتكاءة، أصواتا، أشكالا، كمشاهد كاملة لرؤى مسرحية أو تجميد للصورة عند الحلقةماقبل الأخيرة. نعم كان وقتا منخفضًا جدا، و لم يكن يسيرًا أن أعبُره دون أن أتخلّىعن رأسي، أنحني، وأتضاءل .
قد أجد في هذه التجربة ما أعبر به عن انفعالاتيالخاصة بالقدر الذي لا أحرص فيه على إثارة انفعالات الآخرين، وإن كنتُ أشعر بالأسفأحيانا لأنني كنتُ مؤمنةً جدا بأن مهمة الفن تنحصر في خلق خيال يجيء مخالفا لوجوههذا العالم الذي نحيا فيه، لقد تغافلتُ كثيرًا عن الدور الواقعي الذي لم أره لولااستسلامي مؤخرا لفتنة الشارع، ذلك المهيمن على مساحة يملؤها جوهر الموضوع وشوائبغير مكترثة به، ربما لأن المكان يسبق اللقطة، المشهد، الكائن والنموذج، أو ربما لأنحكاية تنطلق منه عبر زاوية الكاميرا وأبعادها. أحقًا بمقدور هذه الآلة الضوئيةتعرية الأفكار و الوصول بها إلى أحلامها الأولى؟! أم أن المكان حين يستعين بلغةأخرى غير الضوء يفقد ملامحه؟! لابد أن المسألة بالنسبة لي لم تكن قضية مهارة أوخبرة تقنية، كانت ذريعة، تعريةللغة التشرّد ونصبها بالضوء، تأسيس تناقضات الظاهرةوليس تفكيكها، أسلوبًا لنقص تقني يتماشى ويتصالح مع سلوك التعثّر بكائن يفترشالرصيف، ويلتحف السحاب.
«كل إنسان يحمل في داخله غرفة» كافكا
لا أعرف إنكان هؤلاء الأشخاص يسكنون الرصيف أو هو الذي يسكنهم، ولا أدري إن كانوا على علم بأنالفضاء واللامأوى الذي لجأوا إليه إنما هو منزل افتراضي بلاسقف، أو «مدوّنة» فيثنايا فضاء واقعي، أَسقط عنها المأوى، وأعاد الإنسان إلى بدائيته، إلى شارع يحيابنبضه، يصادق ناسه، وينفضح بعرائه، حاجته، ذبوله، إدمانه، تشرده، غجريته، ضياعه،وانحناءاتٍ يتقصَّد بها نقودًا تعينه على وجبة عشاء أو جرعة مشروب بارد، كل ماأعرفه الآن هو ما دلَّني عليه الشاعر اللبناني بول شاوول بأن الذين لايعرفونالأرصفة لايعرفون الحياة، لايجيدون فن المشي، النظر، الإصغاء، التنفس، الصمت، ولايتقنون فن أن تمضي كل يوم في الطريق ذاته وتكتشف من قوة التكرار وكأنك تمضي في مكانجديد. لم أفهم هذا الدليل حين كنت مصابة بعدم الأرصفة، بالتخفي الحاد، بفوبياالآخرين وحمل الكاميرا. وكنت على وشك التراجع حتى رافقت نفسي أثناء سفر طويل، نفضتُعني الغبار تحسستُ الشارع بألوانه، سواليفه، مناخاته، التجديد، الترميم، الحفر،والتواطؤ الصامت مع الهواء، جلبة الزمامير الحافلات، الباعة، والإشاراتالعمياء.
هذا التوتر الدرامي ليس إلا انعكاسًا لحركة الإنسان داخل ذاته، و تكوينعلاقة مباشرة مع الكائن المراد إضاءته، مصادقته، تأطيره داخل بؤر مكانية، عفوية،وصادقة بانتظار لحظة الضوء التي تحدثُ انسجاما نوعيا بين الوعي بالأفكار، والمنهجالإنساني الغائم نسبيا بسبب اقتحام الآخر وابتزازه ماديا أحيانا. و في كثير منالأحيان تستمر هذه العلاقات لأنها محكومة بمصائر آنية تحرضني على القفز إلىمدوناتهم، التنقيب عنها، إضاءتها، وتقسيمها إلى قصاصات كائن.
نكاية بي
شيءما يراوغ المساحة و الظل في نفسي، كمن يقفز إلى جسده من جديد بعد أن سالت من جبهتهالأماكن، أو كمن يفوح من ذاته ويتساقط باستمرار منها. لا يعني ذلك أنني شاركتالمدونين الألم، المسرات أو الخداع، الحقيقة أنني لم أتقمصهم، إنما حافظت كثيرا علىالمسافة التي فصلتني عن ذواتهم حتى لا أصاب بعدوى التشرد كما يحدث في الضحك والحزنوالكآبة حين تتسلل إلينا لمجرد أننا نعاشر أشخاصا يمارسون ذلك للحظات، فنتساءلمابالنا أصبحنا هم، وكيف صرنا نشبههم!!
كم مرة تناهبني الخوف من المتاجرةبالآلام، الصوت غير المسموع، الألم الباطن، وكم مرة حذفت ملفات الصور وتطهَّرت منذنب الضوء، لست واثقة من ضميري لأنه كان فضوليا، حائرًا، متشابكًا، واخزا، متوجعالأقصاه. و نكاية بي كم مرة فكّرت الانزواء وراء نظرة جزئية إلى العالم، الاندراجتحت أكبر قدر ممكن من الاختباء، لم أكن أريد لشيء أن يشير إليّ، أردتُ أن أحكي عنتكوينات بصرية من حيث المظهر، الكتلة، اللون، الإضاءة، والحركة، أما على المستوىالمجازي فأردتُ أن أتخلّى عنِّي على نحو مرضٍ، أبتعد، وأنظر إليَّ من ركن بعيد. هذاالتصادم الذي يحصل بين الرغبة، السبب، الأسئلة، الخوف والدافع.. هو مايؤسس لتجربةذاتية حتى وإن كانت ساذجة لكنها تمتلك افتراضاتها الجديدة وتستهدف فهم العالم .
أذكر هذه اللحظة كيف كنت أجمع لوحاتي الصغيرة حين ساورني إحساس غريب تجاهالكائنات، لم يعد الإنسان لدي هو سيد المخلوقات، ومنذ ذلك الوقت لم يفارقني شعورالأخوة و الرفقة والأصدقاء الذي بدأت أتعامل به مع شتى المخلوقات الأخرى، امتزجتُبالطبيعة والتصقت بالأرض بعد أن كنت أحلم بالتحليق خارجها،كنت أصطاد الوجوهالمطحونة بسنارة الخوف، أجمع الألم بالضوء وأتوهم لهم حياة حد الموت.
أعلم أننيتبنيتُ قضايا خاسرة لاجنس فيها لا دين ولا حتى سياسة، كل ماكان يعنيني اقتفاء أثرالبرد، التشرد، القهر، التسول، الجوع الملقى على الأرصفة، المتشبث بتلابيب الحواري،محطات المترو، مواقف السيارات، مدارج الأسى وأزقة الزيف المقنَّع، أو الصدق الصارخ،لهذا لم أجد أكثر صدقا من الفيلسوف الفرنسي غاستون بشلار حين أكّد على أن الأشياءاللامنتهية لاتجد لها أسماء إلا لدى القلب العاشق. وأظنني خربشت كثيرًا بهذا القلب،لطَّخت، راكمت، ولم أشأ أن أتوسل النتائج، الحكم، النسبة والتعادل. لم أبحث عنالشاعرية بكل ثغراتها، ولا أي طابعٍ منطقي، لأن ما رأيته ببساطة…كأي نهاية أخرىلا منطق له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أخبار | السمات:أخبار
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























